محمد الريشهري
64
موسوعة معارف الكتاب والسنة
المرحلة الثالثة : معرفة لطائف القرآن عندما تتكشّف دقائق القرآن ولطائفه في هذه المرحلة من مراحل المعرفة القرآنية تنبثق الأرضية المناسبة ، وتتهيّأ الأجواء لاستنتاج معارفه السامية وبلوغ ثماره اليانعة ، بيد أنّ هذه المرتبة المعرفية على خطّ الانتفاع بمعارف القرآن هي ممّا يختصّ بأولياء اللَّه ، على ما نوّه إليه الإمام السجّاد عليه السلام ، بقوله : « وَاللَّطائِفُ لِلأَولِياءِ » . وفي سياق بيانه لخصائص أولياء اللَّه العارفين بلطائف القرآن ، يقول الإمام عليّ عليه السلام بناء على ما جاء في مصادر حديثية عديدة : إنَّ أولِياءَ اللَّهِ هُمُ الَّذينَ نَظَروا إلى باطِنِ الدُّنيا إذا نَظَرَ النّاسُ إلى ظاهِرِها ، وَاشتَغَلوا بِآجِلِها إذَا اشتَغَلَ النّاسُ بِعاجِلِها ، فَأَماتوا مِنها ما خَشوا أن يُميتَهُم ، وتَرَكوا مِنها ما عَلِموا أنَّهُ سَيَترُكُهُم ، ورَأَوُا استِكثارَ غَيرِهِم مِنهَا استِقلالًا ، ودَرَكَهُم لَها فَوتاً . أعداءُ ما سالَمَ النّاسُ ، وسَلمُ ما عادَى النّاسُ . بِهِم عُلِمَ الكِتابُ وبِهِ عَلِموا ، وبِهِم قامَ الكِتابُ وبِهِ قاموا ، لا يَرَونَ مَرجُوّاً فَوقَ ما يَرجونَ ، ولا مَخوفاً فَوقَ ما يَخافونَ . « 1 » تُبرز الصيغ التعبيرية في النصّ : « بِهِم عُلِمَ الكِتابُ وبِهِ عَلِموا ، وبِهِم قامَ الكِتابُ وبِهِ قاموا » الدورَ الأساسي الذي ينهض به الحديث في مضمار المعرفة الدينية ، على نحو جليّ ، وفي هذه المرحلة من المعرفة القرآنية تغدق عملية تآصر القرآن والحديث بثمارها ، ويعطي الترابط بينهما معطياته المرجوّة . وهذه الحصيلة لا تعني أنّ القرآن بدون الحديث مبهم لا يمكن الانتفاع به ، على ما ذهب إليه تيّار من الأخباريّين ، بل هي تعني أنّه لا يمكن بلوغ الصياغة النهائية لمعارف القرآن وعطاياه من دون الحديث .
--> ( 1 ) . نهج البلاغة : الحكمة 432 ، عيون الحكم والمواعظ : ص 160 ح 3436 ، بحار الأنوار : ج 69 ص 319 ح 36 وراجع : حلية الأولياء : ج 1 ص 10 وتاريخ دمشق : ج 47 ص 466 والدرّ المنثور : ج 4 ص 370 .